إخوان الصفاء

335

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

النواميس وحدودها ، وفي موجبات العقول وقضاياها ، لئلا يكون للناس على اللّه حجّة بعد الرسل والعقول المركوزة . وإذ قد تبيّن بما ذكرنا ما العلّة وما السبب في كون أخلاق أبناء الدّنيا مركوزة في الجبلة ، وأخلاق أبناء الآخرة مكتسبة معتادة ، فنريد أن نبيّن أن من الأخلاق المكتسبة ما هي مذمومة وما هي محمودة ، وان المحمودة منها ما هي بموجب العقل وقضاياه ، ومنها ما هي بموجب أحكام الناموس وأوامره ، وهكذا حكم المذمومة منها . واعلم يا أخي بأن كل عاقل ذكيّ القلب إذا نظر بعقله وتفكّر برويّته في أحوال الناس ، وميّز بين طبقاتهم ، واعتبر تصاريف أمورهم في دنياهم وعرف وتبيّن له بأن منهم خاصّا وعامّا وملوكا وسوقة ، ويعلم ويتبيّن له بأن أخلاق الملوك وسجاياهم وآداب أتباعهم ومن يصحبهم وينادمهم خلاف أخلاق العامة والسّوقة ؛ ويعلم بأنه لا يترك أحد من العامّة والسّوقة أن يدخل إلى مجالس الملوك إلّا بعد أدب وعلم وسكون ووقار وهيبة وجلالة ، فيكون في هذا دلالة له ، فيعلم انه لا يمكن أحدا من الناس ولا يليق به ولا يثق أن يصعد إلى ملكوت السماوات وسعة الأفلاك والدخول في زمرة الملائكة إلّا بعد عناية شديدة في تهذيب نفسه واصلاح أخلاقه وصحّة اعتقاده وحقيقة معلوماته ، فيجتهد عند ذلك في إصلاح ما هو فاسد منها ، ويتجنب ما هو مذموم بحسب ما توجبه قضيّة عقله ، ويؤدّي إليه اجتهاده كما هو مذكور في كتب السياسة الفلسفية . واعلم يا أخي انه لما لم يكن في مكنة كل عاقل أن يفعل ما وصفنا ، إذ كان يحتاج فيه إلى عناية شديدة وبحث دقيق ونظر قويّ ، خفّف اللّه تعالى ذلك عليهم ، وبعث واضعي النواميس الإلهية مؤيّدين مع الوصايا المرضيّة ، وأمرهم بامتثال أمرهم ونهيهم ، فبنوا لهم الهياكل والمساجد والبيع ومواضع الصلوات وبيوت العبادات ، وأمروهم بالدخول إليها بعد طهارة ونظافة ولبس الزينة بسكينة ووقار وأدب وورع وخشوع وتسبيح واستغفار ، وترك